تعيش منطقة إمجاط، كغيرها من المناطق القروية النائية، على وقع مفارقة صارخة بين ما يُرفع من شعارات تنموية وما يعيشه المواطن يوميًا من صعوبات وتحديات. فهذه الرقعة الجغرافية، التي تتميز بتضاريسها الوعرة وبعدها عن المراكز الحضرية، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية تمس مختلف جوانب الحياة، في مقدمتها البنية التحتية والخدمات الأساسية، وعلى رأسها القطاع الصحي.
إن الحديث عن مشروع المستشفى المحلي بإمجاط لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه المنطقة. فضعف الشبكة الطرقية، التي تتدهور حالتها بسرعة وتحتاج إلى إعادة تهيئة متكررة، يجعل من التنقل نحو المراكز الصحية المجاورة رحلة شاقة، خاصة في الحالات المستعجلة. كما أن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، وغياب خدمات أساسية مثل الوقاية المدنية ومحطة الوقود، يزيد من هشاشة الوضع، ويجعل الساكنة في مواجهة مباشرة مع المخاطر دون وسائل كافية للتدخل أو الإنقاذ.
في ظل هذه الظروف، كان من الطبيعي أن يتحول مطلب بناء مستشفى محلي إلى أولوية قصوى بالنسبة للساكنة، التي سئمت من الوعود المؤجلة والحلول الترقيعية. فالمستوصف الوحيد بجماعة تغيرت، ورغم الجهود المحدودة التي تُبذل داخله، يعاني من خصاص كبير في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، مما يجعله غير قادر على الاستجابة للحاجيات المتزايدة. هذا الوضع يدفع العديد من المرضى إلى قطع مسافات طويلة نحو مدن أخرى، في ظروف غالبًا ما تكون قاسية، وقد تكون أحيانًا مهددة للحياة.
غير أن مشروع المستشفى، بدل أن يسلك مسارًا واضحًا نحو التنفيذ، أصبح محاطًا بالكثير من الغموض والتجاذبات. فقد تحول، في مراحل عدة، إلى موضوع للتنافس السياسي ومحاولة كسب النقاط، حيث سعت بعض الأطراف إلى ربطه بأسمائها والترويج له كإنجاز مرتقب، في حين أن الواقع لا يعكس تقدمًا ملموسًا على الأرض. هذا الأسلوب في التعامل مع المشاريع الحيوية يُفرغها من بعدها التنموي، ويحولها إلى مجرد أدوات في لعبة المصالح.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي لعبه الراحل بلفقيه، الذي كان من أبرز المدافعين عن هذا المشروع، حيث تبنى ملفه بكل جدية، وسعى إلى إخراجه من دائرة الوعود إلى حيز التنفيذ. وقد شكل رحيله نقطة تحول، إذ فقد المشروع أحد أهم داعميه، وهو ما انعكس سلبًا على وتيرة تتبعه والدفع به إلى الأمام. في المقابل، برزت محاولات لإعادة توجيه النقاش وربط المشروع بأسماء أخرى، في سياق يطرح تساؤلات حول مدى صدقية الخطاب السياسي المرتبط به.
كما أن الحركية الجمعوية التي شهدتها المنطقة، والتي لعبت دورًا مهمًا في تسليط الضوء على معاناة الساكنة، لم تسلم بدورها من التوظيف. فقد تم استغلال بعض المبادرات النضالية من طرف منتخبين، سعوا إلى توجيهها بما يخدم مصالحهم، والترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأسلوب يُضخم الإنجازات ويُغيب الحقائق. هذا الواقع ساهم في خلق فجوة بين الخطاب المروج والواقع المعاش، وأدى إلى نوع من فقدان الثقة لدى المواطنين.
إن ما تحتاجه إمحاط اليوم ليس المزيد من الوعود أو الحملات الدعائية، بل رؤية تنموية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المنطقة وإكراهاتها. فبناء مستشفى محلي لا ينبغي أن يكون مجرد مشروع معزول، بل جزءًا من منظومة تشمل تحسين البنية التحتية، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما يتطلب الأمر إشراك الساكنة والمجتمع المدني بشكل فعلي في تتبع وتنفيذ المشاريع، لضمان الشفافية والمساءلة.
في النهاية، يظل مشروع المستشفى المحلي بإمجاط اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية السياسات العمومية في الاستجابة لحاجيات المناطق المهمشة. فإما أن يتم تحويل هذا المشروع إلى واقع ملموس يعيد الأمل للساكنة، أو يستمر كعنوان لمرحلة من “بيع الأوهام” التي طال أمدها. وبين هذا وذاك، تبقى صحة المواطن وكرامته فوق كل اعتبار، وهي المعيار الحقيقي لأي تنمية منشودة.
راديو أييس /